أبي حيان التوحيدي
3
المقابسات
كيف عرفت المقابسات عرفت فيمن عرفت من الناس في ماضي الأيام رجلا كان يبيع الكتب في خان الخليلي يسمى « الشيخ عبد الملك الفتني » وكان على علم ومعرفة وسعة اطلاع قلما عثرت عليها في تاجر كتب آخر ، وكان عالي السن متقادم الميلاد ، فكان يدلى بصدق وإخلاص على ما يلزمني من الكتب القيمة والاسفار النافعة ؛ فلما أحكمت عرى الصداقة بيننا سألته يوما عن شأنه وعن حقيقة أمره ، فعرفت أنه هندى الأصل ، وأنه بعد أن تلقى علومه ومعارفه أقام في الآستانة زمنا كان فيه ضمن محررى جريدة الجوائب لصاحبها أحمد فارس الشدياق ، ثم عين قاضيا في مكة ، فلما ضعفت قواه عن تحمل حرارة الحجاز وسمومه وفد على مصر واتخذ الاتجار بالكتب صناعة له ، ومن الحق أنه كان مرضى الطريقة ، عارفا بشئوني الحياة . قد بلا حلوها ومرها ، وتردد بين صفوها وكدرها . هذا الرجل له على فضل كبير ، فقد كان يذاكرنى في كثير من المسائل العلمية والأدبية وينبه ذهني إلى حقائق الأشياء ودقائق الأمور ، ويشير على بما يجب أن أقرأه من الكتب ، ويقفنى على الكيفية التي توصلني إلى الانتفاع بها انتفاعا ناجحا مثمرا . لقيني هذا الشيخ في عصر يوم من أيام سنة 1913 وقال لي : قد جئتك بكتاب لا غنى لمثلك عن مثله . فقلت : وما هو ؟ قال : هو كتاب « المقابسات » لأبى حيان التوحيدي ، وهو من مطبوعات الهند ، فخذه إليك واحرص على قراءته وتفهم أغراضه ومعانيه ، فإنه درة ثمينة وجوهرة نادرة المثال . فنقدته ثمنه ثم مضيت به إلى بيتي وأكببت على قراءته بشغف ، وتلوته